فخر الدين الرازي

64

تفسير الرازي

ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام ، لأنه تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا ، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولاداً كانوا أنبياء وملوكاً ، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض ، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق . وأما قوله : * ( ونوحاً هدينا من قبل ) * فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب ، وذلك لأنه رزقه أولاداً مثل إسحق ، ويعقوب . وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح . وإدريس ، وشيث . فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء . أما قوله : * ( ومن ذريته داود وسليمان ) * فقيل المراد ومن ذرية نوح ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن نوحاً أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب . الثاني : أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطاً وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته ، بل كان من ذرية نوح عليه السلام ، وكان رسولاً في زمان إبراهيم . الثالث : أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته ، فعلى هذا إسماعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم ، بل هو من ذرية نوح عليه السلام . الرابع : قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام ، وكان من ذرية نوح عليه السلام . والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام ، والتقدير : ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان . واحتج القائلون بهذا القول : بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحاً لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم . واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أربعة من الأنبياء ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وإسحق ، ويعقوب . ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء : داود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهارون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوطاً ، والمجموع ثمانية عشر . فإن قيل : رعاية الترتيب واجبة ، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة ، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه ؟ قلنا : الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب البتة ، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان